قراءة في المكوّن الشعريّ عند الشاعرة دارين زكريا

 موسى الزعيم

عبر صفحات ثلاثة دواوين شعريّة، تحاولُ الشاعرة السوريّة  دارين زكريا أن تكون صوتاً متفرّداً، في  سبك جملتها الشعرية، وفي بناء قصيدتها والتي اختارت لها النثر طريقاً.

دارين زكريا القادمة مثلها مثل مئات آلاف الهاربين من أتّون المِحرقة السوريّة، لم تحمل بين ضلوعها سوى قلب شاعرة يتّسع لمعذبيّ العالم أجمع، مشت ْعلى طريق الألم السوري، الذي مشاه كلّ مهاجرعبر التاريخ، يحلم بقليل من الضوء، وبعض الهواء النقيّ، وبمساحة حدودها الشمس، تصدح فيها أصداء كلماته.

 هي شاعرة إذن من طرازٍ خاصّ من نسجٍ فريدٍ، في ملامحها الشعريّة تتراءى ولاّدة حيناً، وصلابة زنوبيا ودهاء بلقيس..

 في ديوانها الشعري الأوّل (حِيرة مطر) الصادر في بيروت عام 2017 والذي يقع في مئة وعشرين صفحة تركّز الشاعرة على الجملة الشعرية المنحوتة نحتاً، تجهد في سبك صياغة فنيّة لغويّة، تمزج فيها بين الأصالة والحداثة، فيظلّ الموروث الدينيّ والثقافيّ ظاهراً بشكل جليّ في نصوصها، فما يكاد يخلو نصّ واحدٌ من إحالة إلى مرجعيّة أو رمزيّة قرآنيّة أو موروث ثقافي واجتماعي تراثي أو تاريخي،  فنجد على مساحة الديوان بعض الإشارت الرمزيّة من مثل “زمزمكَ ، شرّ النّفّاثاتِ في العُقد، بسملت، المدد،  الأجاجُ والبرزخ، وعصا موسى، وسفينة نوح، بالإضافة إلى الأسماء التي سيمرّ ذكرها لاحقاً  وغيرها من الاتكاءات الّلغوية على  المضمون التراثيّ العربيّ.

في ديوان حيرة مطر الغَلبة للنهايّة في النصّ الشعريّ، إذ تركز الشاعرة على خواتم نصوصها في حالة الادهاش والسطوع والتركيز على بؤرة شعرية ومحاولة إنارتها بشكل جلّي، وهذا يعدّ من سمات النص النثري عموماً ومن خصائص قصيدة النثر، فغالباً ما تأتي الجملة الأخيرة في القصيدة مُحكمة في غاية الاتقان، تفتحُ عالماً من فضاء التأويل للمتلقي، في نصوصها  تجنح عادة إلى ما هو ذاتيّ  نفسيّ، بعيداً عن صخبِ الموجودات، وترتيل التفعيلة وقسرِ القافية، وسلطة الروي، كلّ ذلك يرتبط حتماً بسيرورة الزمن وانهيار مقومات كانت سائدة في حياتنا سابقاً، حياة الفرد  قبل سنوات، لكن الشاعرة  تحسستها بشكل خاصٍ، ما يضفي عليها طابع الوقت الحالي وتركيبتها، وانعكاسها على ذاتية الشاعرة والانحياز اليها، وبالتالي على  لغتها اليوميّة الحياتيّة، وانحيازها للذّات أكثر من انحيازها للخارج،  فياء المتكلم الخاصة بالشاعرة تدور دائماً في مفرادتها، وتعيد الإحالة إليها، وهذا ما نلحظه بكثرة في النصوص، هي ترفض أن تكون تابعةً، فلا تدور في فلك أحد، ولو كان الآخر نَمِراً، فهي تروّضه مثلما  تروض القصيدة.

ابنةُ الطوفان أنا / تمشي  قدماي على البحر / فتحيلُ مِلحه سكّر /جاراتي بنات الدّهر/ كلما ابتسمنْ لي/ كنتُ منهنّ أمكر  / أَوَصدّقتني؟! / كاذبةُ أنا/ أخفيك سرًا/ مخبولةٌ عرافتي/  حين قالتْ  لي / إنّ صخر أناتي لا يُكسر ..

رغم أن ثمّة موضوعات لا تنفصل إطلاقا ًعن الذات تفرض ظلالها على كلّ شاعر كما في الوضع السوري، فحين ترسو آلامُ  الفعل السياسي والانسانيّ في ذات شاعر، يحاول رسم صورة عن العالم، ربّما تكون مخففّة القبح إنْ لم نقلْ أجمل .. هذه النصوص النثرية عموماً  تحاول إنصاف ما هو داخلي مهمّش في الانسان، بعد أن اشتغلت القصيدة العمودية زمناً على المحيط الخارجي له.

من جهة أخرى تُبدي الشاعرة عنايةً خاصّةً بعناوين نصوصها، لتأتي في الغالب مُبتكرة متّسقة مع مضمونها، تلعب لعبة الظهور والتخفي في المعنى. هذه الفوضى المرتبة بعناية تُخرجك من دائرة التنميط، على صعيد الفكرة والعنوان، على صعيد المضمون والمحمول الجمالي للجملة الشعرية، وبالتالي تحقق الفعل الجمالي والفني للنص الشعري عند الشاعرة. 

من تلك العناوين التي يمكن التوقف عند تركيبها اللغوي “الشّعرُ مائي، دعك من السّفن، يا ضَام، سكناكَ بين بيني، اسكبني بك، ناسكٌ وتلحد، مَدد مدد، دعْ المعنى، ديدنك ديني.. ” بالإضافة إلى العناوين الكثيرة التي يحفل فيها الديوان.

كذلك في تركيزها استحضار شخصيات لها دورها في الفعل التاريخي، هذه الأسماء التي تشكّل في الغالب مرجعيّة فنيّة وحكائيّة، لها تراكمها المعرفي في الذّات العربيّة، فمن منّا لا يعرف “سُليمان و ولّادةَ وبلقيسَ و شهرزاد” فقد عنونت الشاعرة بعضاً من قصائدها بأسماء تلك الشخصات، على أن تكون رائزاً يربط ذاكرة المُتلقي الحاضرة، بالتاريخ على متون النص الشعري ّ.

في حيرة مطر جهدتْ الشاعرة أن تكون قصيدتها نثريّة الطابع، لكن الوزن والرويّ غلباها أحياناً وتركا بصمتهما الايقاعية على نهايات الجُمل الشعريّة في بعض الأحيان، وفي مفاصل المقاطع، “سنلاحظ فيما بعد أنّ الشاعرة استطاعت التخلّص منه، وتركت الحريّة الكاملة لشعريتها النثرية”.

في ديوانها الشعريّ الثاني (وسواس) هايكو ونبضة الصّادر في بلغاريا عام 2019 والذي يقع في مئة وعشر صفحات، قد ضمّت كل ّصفحة منه نصّين شعريين، أو نبضتين من نبضاتِ الهايكو أي ما يُقارب مئتي نصّ ونبضة، والمعروف أنّ الهايكو ذلك الفنّ الياباني المَنبتْ، والذي تَحفل نصوصه بالبحث عن الجمال في دقائقَ  صغيرة في البيئة والطبيعة والكون عامّة، الأشياء التي تبدو للوهلة الأولى في إطار العاديّ، ضِمن تقنيّة معيّنة وأسلوبٍ خاصّ، هذا الفنّ السّهل الممتنع، والذي يحتاج إلى حذاقة في اصطياد اللّقطة وحرفيّة في سبك محتواها الشعريّ.

ما يميّز نصوص “الهايكو” أنّ قراءتها تبدو للوهلةِ الأولى سريعةً بسيطةً، لكنها تستغرق وقتاً تأملياً حين يتشظّى المعنى، ويغدو التأويل والتحليل السّمة الغالبة التي تتسع باتساع ذائقة المتلقي وخلفيته المعرفية وحسب حالته الشعورية والنفسيّة، وموقفه من موضوع النبضة أو الدّفقة الشعوريّة، في هذه النصوص القصيرة التي من شروطها ألاّ يتجاوز النصّ -كما يرى بعضهم- سبع كلمات أو ربّما أكثر قليلاً على سبيل المثال أمّا الحِنكة الفنيّة فتبدو في قلب المعنى بين العنوان والقفلة المُدهشة التي يتطلبها هذا الفنّ الاشكالي، حيث يغدو النصّ ككرةٍ، وفي داخلها ما استطاع الشاعر أن يضع فيه من الجمال سبيلاً.

 في (وسواس) نقرأُ بعض النصوص التي اتخذت الطبيعة مِهاداً لها، فعلى سبيل المثال أخذت الشاعرة  من فصول السّنة صورةً فنيّةً جماليّة لمكونات الطبيعة، وأسقطتها في نبضة تقول: في هايكو حقد: حقدَ الشتاءُ على الأرض، فنفخَ في وجهها برودةَ الرّياح. أمّا في نصّ الخريف والذي تجسّد منه فناناً، أمّا مساحة لوحته فكلّ الطبيعة تقول: الخريف: لا الربيع ولا الصيف يستطيعان مجاراة الخريف في فنّ تلوين الشّجر/ بينما نهر الرّاين مشاكسٌ عاشقٌ في السرّ لأجساد النساء .. الراين: لا يراهُ أحد وهو يتلمّس بنشوةٍ أجساد النساء، نهر الراين.

بعض نصوص الهايكو في وسواس، تطرّقت إلى الحرب في سوريا  ففي نصّ جهنم الحرب التي  تطحن البشر دون رحمة / جهنّم الحرب: كلما أكلت ترددّ هل من مزيد، جهنّم الحرب في سوريا /  في حين يطغى لون الدّم على الأنهار فيها فيغدو أحمر: الأنهار السوريّة طفرةُ قاسيةُ للطبيعة  لونها أحمر.

في وسواس نلحظُ اشتغال الشاعرة على فلسفة اللّون وتحليلهِ، وعلى النفس البشريّة ومكنونها من الظّلم والقهر وغيرها  /عزّة النّفس: دمعهُ عزيزُ عليه لا ينزلُ إلاّ بصحبة المطر، اليتيم/  بالإضافة إلى دقّة اختيارها للموضوعات، ولعلّ عنوان الديوان “وسواس” جاء مما يوسوسُ الشعر في ذات الشاعرة حتى يخرج من بين ضلوعها نثاراتِ جمال على أجنحة الكلمات.

في وسواس لا حدّ لنوع الموضوعات التي تطرّقت إليها الشاعرة، فلعلّها حاولتْ تطبيق المقولة كلما اقتربت من الأشياء أكثر وجدتَ تفاصيل أكثر.

أمّا ديوانها الأخير “كان القمرُ طفلاً” الصّادر في السويد مؤخراً، والذي أقامتْ له الشاعرة حفل توقيع منذ أيام في مدينة كولن الألمانية.

في الديوان ثمانية وأربعون نصّاً نثرياً، تفتتح الشاعرة ديوانها بقصيدتها الأولى بعنوان النّاقصة فتقول: / أحاولُ أنْ أرتبّني كلّ يومٍ لعلمي أنّ الكثير من أجزائي تيهٌ هنا /…

فمن عَتبةِ العنوان “كان القمر طفلاً” يبدو لنا أننّا أمامَ دورةٍ حياتيّة كاملةٍ، هذه الدورة القمريّة التي تفترض في استدارتها من حالة الولادة حتى الاكتمال أن نشهد فيها حكاية القمر، حكاية كلّ الناس و الموجودات في الطبيعة، نحن شهود الحالة البكرالأولى في المعرفة من شقشقة نور القمرمنذ طفولته، من هنا يبدو العنوان إحالياً مرجعيّاً إلى الفطريّة الأولى، مما يحيلنا إلى فرضيّة السؤال اللاّحق” هل كَبُر القمر؟ ” ليشهد بقيّة الحكاياتِ معنا” ؟ْ

في الديوان تنوّعت موضوعات القصائد، وتطرّقت  لعددٍ كبيرٍ من القضايا الذاتيّة والموضوعية وغدا موقف الشاعرة من الأشياء أكثر قربّاً ونضجاً، فصارت أكثر حرفيّة وتطورت الأدوات الشعريّة لديها، وذلك يشهد تسارعاً جمالياً وفنياً متقناً، يؤكد ذلك امتلاك الشاعرة ناصية النثر، وقدرتها على التلاعب بأدواته. فهي تركّز على لغة التعبير في مقاربة الأشياء، وليس على ماهيّة التعبير، فمن خلال الديوان نلحظُ مدى تطوّر اللغة عندها واعتمادها على اللفظة التي تحمل القدر الأكبر من خاصّة المعنى المركّب أو المُتشظي، والتأكيد على استخدام الإحالة عن طريق الضمير الإشاري عادة مثل كاف الخِطاب الموجهة للمذكّر الآخر، فمقابل كلّ كاف للخطاب في النصّ تصرّ الشاعرة على سيطرة ياء المتكلم التي تحيل إليها “كذات مركزية” وكأنّنا أحيانا أمام طرفين هما (أنتَ / أنا)  تقول في نصّ ضرورة شعريّة ” اكويْني .. اطويْني  اجبرْ بخاطري، اجمعني وانثرني … ستتأكد حينها من صدق جوابي لسؤالك أين انت ؟ وأرد ّعليك بثقةٍ أنا في كلّ مكان ” كما نلحظ ذلك عادة  في الكثير من الجمل الشعريّة وعناوين القصائد، نقرأ بعض العناوين ( الشّيطانة الوحيدة، الذّكريات خائنة، عيناك لو استطيعهما، مربية الأرواح، اسمك الشقيّ، أسكنكَ هنيهةً، كحسرةِ الماء، حلاوة الجّمر، راعي النجوم، هواء دون حياة)،  تسعى الشاعرة في الغالب إلى قلب الصورة الفنية، وإعادة تركيبها دينامياً، بحيث يغدو المألوف مختلفاً، مما يحقق القدر الأكبر من الإبهار من أجل الوصول إلى البؤرة الجماليّة في الجملة الشعريّة، ففي  نصوص الكتاب تتداخل الأصوات بالألوان لتكوّن محتوى جمالياً فريداً ليغدو في ضوء المُختلف المركب الفني للنثر الجمالي  / هي هكذا  لا تدّون  بخفّة ريحٍ أسكَرها مسكُ عِطر يجري كغفلةٍ تراودُ على عجل / تأنّي عينيّ اليقين، كبسمةٍ فاترةٍ تطلبها حيرةُ دمعةِ النّفس ويتوانى عن تحقيقها  شرودُ باطِنها الخفيّ /

في حين تركّز الشاعرة على الإيقاع الدّاخلي للقصيدة من خلال استخدام الجملة الشعريّة النابضة بالحركة حيناً والغارقة بالسكون والتأمل أحياناً أخرى، بحيث يحقق الإيقاع الدّاخلي موسيقا تتوافق مع مضمون النص  بالتالي يُغني عن التفعيلة بحيثُ يغدو النصّ بكامله كتلة ايقاعيّة داخليّة.

 نقرأ في نص مربّية الأرواح ” أنا .. مربّيةُ الأرواحِ، أجالسها كلّما تصدّقت  السّماء بأجنّة فراغاتها … الأرواح المخلوقةُ الخالقةُ تسحبُ وجومَ استسلامي لإيقاع حركاتها، في عوالم السّكون  الآسرة هي الحفيفة الخفيّة  تلامس بأصابعها النورانيّة، تنهدات مغارات صمتي /

في نصّ آخرَ: تجرّد الشاعرة من القلقِ  انساناً تحاوره، تحاول ترويضَ وحشيتهِ،  ليغدوَ أكثر تهذيباً فترمي له بشباكها في أوّل جملة من النص لكنها سرعان ما تفضح خبثهُ  ” نحنُ نحبّكَ أيّها القلق، يغوينا هذا الفنّ التجريديّ الذي ترسمه في عقولنا، يصيبنا بنشوةٍ بوهيميّة نحاولُ ملأهُ  بالألوان للحلولِ فنغرق، لاحول لنا في قعرهِ … لكنّك خبيثٌ .. تظهرُ على مرايانا، على شكلِ هالاتٍ تمتدّ بعهرٍ غير مبرّر تحتَ عيوننا السّارحة /

 في تجربتها الشعرية: تحاول الشاعرة أن تكونَ صوتاً شعرياً له خصوصيته، وسماته، وأحسب أنّ النص لا يخرج من بين يديها حتّى تعطيه العناية الكافية، وهذا يبدو من خلال اهتمامها باختيار الألفاظ ، لكن حسب رأيي  ربّما تحتاج نصوص النثر إلى مرونة  لغوية أكثر، وحرية في اطلاق العنان للغة الحرّة البعيدة عن المعجميةّ بعض الأحيان. دارين زكريا شاعرة وقاصّة سورية مقيمة في ألمانيا، صدر لها ثلاثة دواوين شعريّة وتُرجمت بعضُ  قصائدها إلى عدّة لغات.

.